الذي بصُحبتنا اليوم هو المرادف لكلمة البشاعة والوحشية، حينما يتجسد الشر في هيئة بشرية. يُعد هذا المجرم مُلهماً للعديد من أفلام الرعب الأمريكية؛ إنه سفاح ويسكونسن الأشهر "إيد جين" (Ed Gein). تلك الحالة الأيقونية التي صار عليها لم تكن أبداً شيئاً هيناً أو بسيطاً، أو مجرد فعل يمكن لأي مجرم أو مُنحرف إرتكابه.
لقد كان يقتل النساء ويقطعهُن لأجزاء ثم يأكل لحومهُن بعد طهيها، وكذلك كان يصنع من جلودهن -بعد سلخ الجثث- ثياباً، ومن عظامهن مقاعد، ومن جماجمهِن أوعية، وكان يُعلق الجثة بعد قتلها كذبيحة! وحينما اكتشفت الشرطة أمره واقتحمت مزرعته التي ذاع صيتها كـ "مزرعة الموت"، كانت رائحة الموت المنبعثة من جيف القتلى تفوح في كل مكان من جنبات تلك المزرعة البشعة.
يُعتبر "إيد جورج جين" البطل الحقيقي والأصلي خلف أعمال فنية كثيرة من أشهرها (صمت الحملان، سايكو، ومذبحة منشار تكساس). ولكن لفهم هذه العقلية، يجب أن نتوقف لحظة عند موت "أوجوستا" والدة إيد، وبعد وفاة شقيقه الأكبر الغامضة، حيث عاش إيد وحيداً في تلك المزرعة المعزولة، وقرر أن يقضي الليالي وحيداً بغرفتها، كأنما يبحث عن شبحها الذي لا يأتي.
طفولة في جحيم التعصب
وُلد إيد عام 1906 ليكون الطفل الثاني والأصغر لـ"هنري" الأكبر منه بسبعة أعوام. أسرة فقيرة مكونة من أم متشددة دينياً إلى درجة الهوس، وأب سكير لم يتمكن حتى من إعالة أسرته. كانت الأم شبه مجنونة ومُختلة تماماً، تقضي الليالي لتروي لطفليها كيف سيُلقى بهما في هوة الجحيم إن لم يطيعاها أو إن اقتربا من النساء حين يكبران، وكانت تردد على مسامعهما أن مدينتهما هي مدينة خطاة سيحترقون في الجحيم إلى الأبد.
تلك التفاصيل السامة كانت تتردد على مسامعهما منذ نعومة أظافرهما، والأب لم يكن ليتدخل أبداً فهو في شبه غيبوبة ولا يفيق من سُكره إلا نادراً. أوجوستا "الأم" هي المتكفلة بأمور الأسرة المالية من عملها في المزرعة. وهكذا أصبحنا أمام نموذج للأم المتسلطة التي تقود أطفالها لحد الجنون.
في المدرسة، حافظ إيد على إنعزاله الدائم وخجله الذي جعله فريسة سهلة لأقرانه. تقارير مدرسته أعلنت بوضوح أن قدراته العقلية محدودة للغاية، والخصلة الوحيدة التي يتمتع بها هي ميله لقراءة مجلات الأطفال وقصص المغامرات. وفي عام 1940 توفي الأب، ليضطر هنري وإيد إلى مساعدة أمهما في الحرف اليدوية، ولم يكتسب إيد سوى إستعطاف أهل المدينة الذين أشفقوا على عقله المحدود وإستعانوا به كجليس للأطفال!
لغز الأخ الأكبر وموت الإله المقدس
كان هنري يلاحظ علاقة إيد المرضية بأُمه، وفي أكثر من مرة واجهها بهذه الحقيقة أمام إيد الذي أصابته صدمة شديدة جعلته يمقتّ أخاه كأنه الطاعون؛ فأمه كانت بالنسبة لهُ إلهاً مقدساً لا يصح المساس به.
في 16 مايو 1944، لقى هنري حتفه في حادث شديد الغرابة. كان بصُحبة إيد يكافحان نيراناً إندلعت في أطراف المزرعة، ليعود إيد بمفرده بتعبير البلاهة المُلاصق لوجهه. حين جاءت الشرطة، دلهُم إيد على مكان جثة أخيه بدقة، ليجدوه دون أن تمسه النيران ولكن مع كدمة غريبة واضحة في رأسه. ورغم أن الأحتمال الوحيد هو أن يكون إيد هو الفاعل، إلا أن الجميع إستبعد ذلك تماماً، وأُغلقت القضية على أن هنري إختنق من الدخان المُتصاعد من الحريق.
وفي 29 ديسمبر 1945، ماتت الأم أخيراً، لتترُك إيد وحيداً. لساعات طويلة كل يوم، كان يجلس على فراشها، يقرأ مجلات الكوميكس وروايات التعذيب النازي التي راقت له بشدة. قام بشراء كتب عن علم التشريح وبدأ يدمج ما تعلمه من الروايات مع فن الخياطة!
نبش القبور ومتحف الرعب
ما لم يدركه أحد أن إيد كان يتابع صفحة الوفيات بحماس. جُثث النساء كانت المُفضلة بالنسبة له؛ كان يستخرجها من القبور في الليل لتبدأ طقوسه المريعة، حيث كان يخيط جلودهن ليصنع لنفسه أزياء مرعبة ومقاعد وأباجورات!
لم يكتفِ بالموتى، بل بدأ في إصطياد الأحياء:
1947: إختفاء جورجيا ويكلر (18 عاماً) وهي في طريقها للمنزل.
1952: إختفاء فيكتور ترافيس وراي برجز بعد خروجهما في رحلة صيد، واختفت سيارتهما كأنما ابتلعتها الأرض.
1953: إختفاء جليسة الأطفال إيفلين هارتلي، مع ترك آثار دماء وصراع في المنزل المغلق من الداخل.
1954: إختفاء ماري هوجان، صاحبة متجر.
1957: إختفاء بيرنيس واردن من متجرها، ولكن هذه المرة كان إيد جين هو آخر شخص شوهد في متجرها.
ذهبت الشرطة لمنزله، ليجدوا جثة بيرنيس مُعلقة في سقف المطبخ بعد أن نزع رأسها وجلدها. الصدمة كانت قاضية: الشاب الخجول الهادئ هو سفاح مجنون.
إعترف إيد لاحقاً بقتل بيرنيس وماري فقط، مُدعياً أن باقي الأشلاء في منزله (والتي تعود لأكثر من 8 سيدات) كانت من سرقاته للمقابر. تقرير الأطباء النفسيين صدر بكلمتين فقط: "مُختل شهواني".
إذا كانت تروق لك تِلك الحكايا أنصحُك بقصة "دراكولا النساء"
نهاية الأسطورة وبداية الخلود السينمائي
في عام 1958، إحترق منزل ومزرعة إيد جين لأسبابٍ غامضة، وكان هذا هو الرد الإنتقامي الوحيد من أهل المدينة، وإستقبل إيد الخبر ببساطة قائلاً: "تماماً كما توقعت".
عاش إيد بقية حياته في مصحة للأمراض العقلية حتى وفاته في 26 يوليو 1984، لكن قصته لم تمُت؛ بل ولدت لتطغىَ شُهرته على نجوم هوليوود:
رواية وفيلم Psycho (1960): إستلهم الكاتب روبرت بلوك شخصية "نورمان بيتس" وعلاقته المرضية بأمه من إيد جين، وحولها ألفريد هيتشكوك لتحفة سينمائية.
The Texas Chain Saw Massacre (1974): بنى توب هوبر شخصية القاتل (Leatherface) على ولع إيد بارتداء جلود ضحاياه.
The Silence of the Lambs (1991): إستخدم توماس هاريس أفعال إيد جين لرسم ملامح شخصية السفاح "بافالو بيل".
هل يحق ليّ التعجب؟ كلا، نحن في زمن لا مجال فيه لأي عجب، حيث يتساوى سفاح متسلسل مثل إيد جين مع ثائر مثل جيفارا؛ فالجميع تُطبع وجوههم على القمصان ليشتريها الشباب دون إدراك للرعب الحقيقي القابع خلف تلك الوجوه؟!

