F

الجَاسوُس المُزدوج "روبرت فيليب هانسن"!

قصة الجاسوس المزدوج روبرت فيليب هانسن أخطر عميل FBI اخترق الأمن القومي الأمريكي، وC.I.A وباع أسراراً نووية للمخابرات الروسية والسوفيتية لـ 22 عاماً.
أرشيف الجاسوسية المُظلم — ملف إستخباراتي إستقصائي

روبرت هانسن: الثعلب الذي كلفتهُ أمريكا بإصطياد الجواسيس.. فإفترس أسرارها لحساب الكرملين

تصميم يدمج الجاسوس المزدوج روبرت هانسن مع الرئيسين جورج بوش وفلاديمير بوتين، وخلفهما مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والكرملين الروسي.
روبرت هانسن: الثعلب الذي إخترق حصون الـ FBI، وأشعل أكبر أزمة دبلوماسية بين أمريكا وروسيا بِالقرن العشرين.

في عتمة الحرب الباردة، حيث شُطر العالم إلى قطبين يتنازعان السيادة والبقاء، لم تكن أشرس المعارك تُخاض بالدبابات في ساحات الوغى، ولا بالطائرات في عنان السماء؛ بل كانت رحى الحرب تدور في أروقة المخابرات المظلمة، وفي دهاليز مكاتب التحقيقات الفيدرالية، حيث تُباع الأوطان وتُشترى الذمم بحفنة من الماس، وحقائب من الدولارات، وشهوة مريضة للتفوق. وبينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تغطُ في ثبات مطمئنة خلف دروعها الأمنية التي ظنتها عصية على الإختراق، كان هناك رجل واحد يعبث بأخطر أسرارها القومية، وينسج خيوط عنكبوت سامة طالت البيت الأبيض والبنتاجون ووكالة المُخابرات المركزية، ليضعها بهدوء مُرعب على طاولة الإستخبارات السوفيتية ثم الروسية على مدار أكثر من ربع قرن. إنه "روبرت فيليب هانسن"، عميل الـ FBI الذي طعن الأمن القومي الأمريكي في مَقتل، وسطر بدمٍ بارد أضخم وأعقد فضيحة تجسس في تاريخ القرن العشرين.

الفصل الأول: ليل موسكو المرعب.. وثيقة بسبعة ملايين دولار

في ليلة قارصِة البرودة من ليالي العاصمة الروسية "موسكو"، وتحت جنح الظلام الدامس وتساقط الجليد الكثيف الذي يغطي قباب "الكرملين" المهيبة، تسلل أحد ضباط جهاز المخابرات الروسية (SVR) — الوريث الشرعي لجهاز الكي جي بي (KGB) السوفيتي الرهيب — بخفة شبح داخل الممرات المحصنة للمبنى العريق. بمهارة خبير يعلم وجهته بدقة متناهية، تجاوز الضابط كافة اللافتات التحذيرية الصارمة، وفتح دولاباً سرياً مخصصاً لأرشيف العمليات السوداء، ليلتقط ملفاً محدداً كُتب على حافته عبارة واحدة غامضة قادرة على إسقاط دول: "العميل بي".

أخرج الرجل من سترته آلة تصوير رقمية شديدة الحساسية، وعلى مدار نصف ساعة كاملة وسط صمت الليل القاتل، راح يصور كل وثيقة، وكل تقرير، وكل خطاب مكتوب بخط اليد داخل هذا الملف الضخم. وما إن أنهى مهمته وعاد إلى منزله، حتى أغلق باب مكتبه بإحكام، وأرسل هذه الصور المشفرة عبر خوادم سرية مباشرة إلى مقر المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في "لانجلي". لم يكن هذا الحدث محض صدفة؛ بل كان ثمرة اختراق أمريكي أسطوري، حيث وافقت الاستخبارات الأمريكية على دفع مبلغ فلكي قدره 7 ملايين دولار أمريكي، مع وعد قاطع بتوفير هويات جديدة ووطن آمن لهذا الضابط الروسي المتقاعد، مقابل الحصول على هذا الملف الذي يحمل بين طياته هوية الجاسوس الذي مزق شبكاتهم وأعمى بصائرهم لسنوات طوال.

عميل إستخبارات روسي يصور ملفات سرية في قبو المخابرات بموسكو.
مقر المُخابرات الروسية الذي كان يَحتضن أخطر ملف جاسوسية عرفته الولايات المتحدة الأمريكية، وهدد أمنِها القومي.

في "لانجلي"، انقلبت إدارة مكافحة الجاسوسية رأساً على عقب. اجتمع فريق من نخبة المحققين يراجعون الصور بدقة جنونية لمدة تجاوزت الخمس ساعات. لم يكن الملف الروسي يحوي اسماً صريحاً للجاسوس، لكن أحد الضباط المخضرمين توقف بذهول مرعب أمام إحدى الرسائل المكتوبة بخط اليد. تأمل طويلاً أسلوبها اللغوي المتميز، وطبيعة السخرية المبطنة فيها، والعبارات والمصطلحات التي طالما رددها أحد زملائهم المقربين في قسم الوثائق السرية بمكتب التحقيقات الفيدرالي. اتسعت حدقتا الضابط، وهمس في صدمة زلزلت أركان الغرفة المكتظة:

"يا إلهي... إنه بوب... روبرت هانسن!".

الفصل الثاني: صناعة الخائن.. طغيان الأب وهوس "كيم فيلبي"


البورتريه الرسمي للجاسوس روبرت فيليب هانسن ببدلة مكتب التحقيقات الفيدرالي.
روبرت فيليب هانسن.. الوجه الجليدي للرجل الذي عاش حياة مُزدوجة إمتلأت بالتعقيد والخيانة.

الخونة لا يولدون من العدم، بل تُشكلهم بيئات مشبعة بالتناقضات العميقة والتشوهات النفسية الخفية. وُلد "روبرت فيليب هانسن" في عام 1944 في بلدة "نوروود" الصغيرة بولاية شيكاغو — تلك الولاية التي ارتبط اسمها عبر التاريخ بأساطير المافيا والجريمة المنظمة مثل "آل كابوني".

إن كُنتَ مُهتماً أنصحُك بهذا المقال حول [زَعيم زُعماء المافيا "The Godfather"]

كان روبرت هو الإبن الأكبر لضابط شرطة صارم وحاد الطباع يُدعى "فيليب". كان الأب مثالياً في عمله الشُرطي، يطبق القانون بحذافيره، لكنه كان جلاداً داخل جُدران منزله؛ دائم السخرية من ابنه "روبرت" أمام الأغراب قبل الأقارب، يضخم أخطاءه التافهة، يحبط عزائمه باستمرار، ويتنبأ له بفشل ذريع في أي مسار يسلكه. في المقابل، كانت أمه تغمره بحنان مفرط وعناية مرضية خانقة لتعويض قسوة الأب وعنفه اللفظي، حتى أنه كان الطفل الوحيد بين أقرانه الذي يُجبر على ارتداء القمصان شديدة النظافة والأحذية البيضاء الناصعة بشكل يومي، مما جعله منبوذاً وغريباً بين زملائه.

هذا التناقض النفسي المدمر خلق بداخل "بوب" وحشاً متعطشاً لإثبات الذات وتحقيق نجاح باهر ينتقم به من سخرية والده. كان يمتلك ذكاءً تحليلياً حاداً، لكنه وُصف دوماً من قبل المحيطين به بأنه "شخص غير محبوب"، بارد المشاعر، وممل في تواصله الاجتماعي. درس في مدرسة "ويليام هاورد تافت" الداخلية، حيث رافقه صديق عمره "جاك هوشوار" الذي سيشهد لاحقاً على أعمق أسراره المرضية. ثم التحق بكلية "نوكس" في ولاية إلينوي لدراسة الكيمياء، وعمل خلال فترات الصيف في إحدى مستشفيات شيكاغو إرضاءً لغرور والده الذي حلم بأن يراه طبيباً مرموقاً. لكن هانسن كان يمقت مهنة الطب من أعماق روحه، وتظاهر بدراسة طب الأسنان في عام 1966 كحيلة مؤقتة للتهرب من جحيم التجنيد الإجباري في حرب فيتنام الدامية، وسرعان ما هجرها في عام 1968 دون أي أسف.

وطوال تلك الفترة التائهة من حياته، كان هانسن يُسرّ لصديق عمره "هوشوار" بحلمه الدفين والمثير للرعب: أن يصبح جاسوساً أسطورياً على غرار الجاسوس البريطاني الشهير "كيم فيلبي"، ذلك الرجل الذي اخترق جهاز المخابرات البريطاني (MI6) لحساب السوفييت وهرب إلى موسكو عام 1963 منتصراً. كان فيلبي يمثل له إلهاً في عالم الظلال. وبعد وفاة والده، التحق هانسن بشرطة شيكاغو ليُفرز في قسم "الشئون الداخلية"، وهناك.. وجد ضالته. استعذب لعبة التنقيب في فضائح زملائه، والاطلاع على أسرارهم، واكتشاف نقاط ضعفهم المخفية. ومن هذا المستنقع، التقطه القدر ليتم نقله في عام 1976 إلى الوكالة الأمنية الأقوى في العالم: مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ليبدأ فصل جديد من اللعب بأسرار أمريكا الكبرى.

الفصل الثالث: الإنفصام المُرعب.. القداس اليومي، الخيانة، والمُتعرية!

تزوج هانسن من شابة فاتنة تُدعى "بوني ووك"، وسرعان ما انخرط معها في منظمة دينية كاثوليكية بالغة التزمت والمحافظة (Opus Dei). كان يواظب بصرامة على حضور القداس يومياً، ولا يفوت جلسة الاعتراف الأسبوعي في الكنيسة منذ بداية الثمانينات وحتى يوم سقوطه المدوي. كان يبدو في أعين رؤسائه وجيرانه زوجاً محباً، وأباً حنوناً لستة أطفال، ورجلاً فائق التدين لا تشوبه شائبة. لكن خلف هذا القناع الملائكي، كان قبو روحه يعج بالانحرافات والتناقضات النفسية المذهلة التي تعجز أعتى العقول عن استيعابها.

في تناقض صارخ مع تدينه الظاهري وصورته كأب مثالي، كان هانسن يعاني من هوس مرضي بانتهاك الخصوصية؛ فكان يلتقط لزوجته "بوني" صوراً شبه عارية دون علمها، بل وتجاوز ذلك ليضع كاميرات خفية تسجل أدق تفاصيل لقاءاتهم الزوجية الحميمة! ولم يكتفِ بذلك، بل كان يرسل هذه المواد الفاضحة لصديقه "هوشوار" — أثناء فترة تجنيد الأخير في حرب فيتنام — بدعوى "رفع معنوياته" في الجبهة! ورغم انزعاج صديقه في البداية واستنكاره للأمر، واصل هانسن إرسال هذه الصور بانتظام لإشباع رغبة مريضة ومشوهة في استعراض فحولته وجمال زوجته أمام الآخرين، وكأنه يثبت رجولته التي طالما طعن فيها والده.

حقائب أموال وماس وجهاز كشف كذب وملفات الـ FBI تبرز التناقض النفسي للجاسوس هانسن.
عاش روبرت هانسن إنفصاماً حاداً بين التدين المُفرط، والخيانة العظمى، والإنحرافات النفسية المُعقدة.

رسالة الشيطان.. ونفق السفارة السوفيتية

في أواخر السبعينات، وبعد زواجه، انتقل للعمل في إدارة المباحث الفيدرالية في "نيويورك". كُلف بعمل بدا للجميع رتيباً ومملاً وهو رقمنة ونقل البيانات الاستخباراتية السرية من الملفات الورقية إلى أنظمة الكمبيوتر الحديثة حينها. لكن هذا "العمل الرتيب" منحه تصريحاً ذهبياً بالاطلاع على أدق وأخطر أسرار الـ FBI، ووكالة المخابرات المركزية (CIA)، ووكالة الأمن القومي (NSA)، والبنتاجون. تحت وطأة ضغوط الحياة المادية في نيويورك، ورغبته المحمومة في إثبات عبقريته التي يتجاهلها رؤساؤه، اتخذ الخطوة التي لا رجعة فيها.. وبدأ رحلة التخابر والخيانة عام 1979.

أرسل هانسن رسالته الأولى مجهولة الهوية في عام 1985 إلى "فيكتور تشيركاشين"، المسئول البارز عن عمليات المخابرات السوفيتية (KGB) في سفارة واشنطن. كشفت الرسالة سراً استراتيجياً زلزل الكرملين: المخابرات الأمريكية، وبالتعاون مع وكالة الأمن القومي، تقوم سراً بحفر نفق تكنولوجي متطور تحت مبنى السفارة السوفيتية الجديد في واشنطن بهدف اختراق كافة الاتصالات السوفيتية والتنصت عليها. كان ثمن هذه المعلومة الأولى 20 ألف دولار كدفعة مبدئية، تسلمها هانسن في نقطة تسليم ميتة.

دماء العملاء في رقبة الكاهن

لإبهار السوفييت وضمان استمرار تدفق الأموال، لم يكتفِ هانسن بنفق السفارة، بل أضاف لرسالته هويات أهم جواسيس أمريكا المزروعين داخل المخابرات السوفيتية. شملت القائمة المرعبة: الجنرال "ديمتري بولياكوف" (أرفع وأهم جاسوس لأمريكا في موسكو)، والعملاء "بوريس يوجين"، و"سيرجي مورتون"، و"فاليري مارتينوف". تسببت خيانة هانسن المباشرة في كشف الغطاء عن هؤلاء الرجال؛ حيث أُعدموا جميعاً رمياً بالرصاص في أقبية الـ KGB، باستثناء "يوجين" الذي نال حكماً بالسجن المؤبد. بفضل معلومات هانسن، تمكن الاتحاد السوفيتي في الثمانينات وحدها من إعدام 10 جواسيس أمريكيين ومسح شبكة الـ CIA في موسكو بالكامل.

المفارقة الكبرى حدثت عندما اكتشفت زوجته "بوني" رزمة النقود (الـ 20 ألف دولار) مخبأة في قبو المنزل. لم يجد هانسن مفراً من الاعتراف، لكنه كذب ببراعة مدعياً أنه باع معلومات "زائفة ومضللة" للسوفييت لا قيمة لها. انهارت بوني ورفضت هذا الفعل بشدة، وأجبرته في صباح اليوم التالي على الذهاب للاعتراف أمام الكاهن في الكنيسة. استمع الكاهن لقصة "المعلومات الزائفة"، ونصحه بالتبرع بالمال المشبوه بالكامل لصالح المؤسسات الخيرية التابعة لـ "الأم تريزا" ليتطهر من ذنبه. ادعى هانسن التوبة، وتوقف عن التجسس لعدة سنوات. لكن إدمان الخيانة كان يسري في عروقه كالسم؛ فعاد لاحقاً ليمارس خيانته بشراسة غير مسبوقة، متخذاً اسماً حركياً جديداً وهو "رامون جارسيا"، ومطالباً المخابرات السوفيتية بشكل صارم بعدم محاولة كشف هويته الحقيقية أبداً لضمان استمرار اللعبة.

الفصل الرابع: "الثعلب يحرس قن الدجاج".. المستشار الأمني وخطة يوم القيامة


متنزه فوكستون بارك والجسر الخشبي في فرجينيا حيث تم تسليم الطرود السرية للروس.
حديقة فوكستون بارك في فرجينيا، حيث كانت أخطر وثائق البنتاجون توضع في أكياس القمامة أسفل الجسر الخشبي.

من سخرية القدر، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ونظراً لطبيعة هانسن الكتومة، وسمعته كرجل دين ملتزم لا يميل للثرثرة أو العلاقات المشبوهة، قرر ترقيته إلى أرفع المناصب الحساسة! تم ضمه إلى "وحدة تحليل المعلومات السوفيتية" في المقر الرئيسي بواشنطن. أصبح هانسن هو المستشار الأمني الموثوق، ومندوب الاتصال الرسمي بين مكتب التحقيقات ووكالة المخابرات المركزية (CIA) ووزارة الخارجية ووكالة الأمن القومي. بل وبلغ به النفوذ أن كان يقدم المشورة الأمنية المباشرة لوزير الخارجية الأمريكي "كولين باول" شخصياً! باختصار كارثي.. لقد سلموا الجاسوس الخائن مفاتيح كل خزائن الأسرار القومية الأمريكية.

استغل هانسن هذا الموقع الذهبي لبيع آلاف الصفحات من الوثائق شديدة السرية. وعلى مدار 15 عاماً كاملة، لم يلتقِ بضابط روسي واحد وجهاً لوجه. كان ابتكاره في عالم الجاسوسية يعتمد على نقاط التسليم الميتة (Dead Drops). كان يترك الطرود والحقائب الخضراء المليئة بالأقراص المرنة والوثائق تحت جسر مشاة خشبي في حديقة "روك كريك" بالعاصمة واشنطن، والتي أطلقوا عليها اسماً كودياً ساخراً هو "الرذيلة - Vertue"، أو عبر تقاطع طريق في منطقة "ماكلين" بفرجينيا عُرف كودياً باسم "البرد - Flue". ولتحديد مواعيد التسليم دون إثارة الشبهات، كان ينشر إعلانات مبوبة مزيفة في صحيفة "واشنطن بوست" يعرض فيها بيع سيارة (دودج موديل 1971) كشفرة يفهمها الروس فور قراءتها.

لكن الجريمة الكبرى، والتي شكلت تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، كانت تسليمه وثيقة "خطة استمرارية الحكومة" (Continuity of Government). هذه الخطة هي السيناريو الأسود، أو "خطة يوم القيامة" الأمنية السرية للغاية، والتي تحدد بدقة متناهية مسارات إنقاذ وإخلاء رئيس الولايات المتحدة والحكومة والأجهزة الأمنية، والمخابئ النووية السرية التي سيلجأون إليها في حال نشوب حرب نووية شاملة مع السوفييت (وهي ذات الخطة التي نُفذت فعلياً في أحداث 11 سبتمبر 2001 لإنقاذ القيادة). لو فكر الاتحاد السوفيتي في غزو أمريكا أو ضربها نووياً أواخر عام 1989، لكانوا أبادوا القيادة الأمريكية بأكملها في ملاجئها السرية بفضل معلومات هانسن!

ولم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد سرب هانسن منظومة الرموز الإلكترونية والشفرات التي تستخدمها الرئاسة الأمريكية ومكتب الاستطلاع القومي وإدارات الاستخبارات العسكرية، وهي المنظومة التي أثارت الرعب لاحقاً من احتمالية وقوعها في أيدي تنظيم القاعدة وتسهيلها لهجمات 11 سبتمبر عبر اختراق الحواسيب. كما كشف تفاصيل لجان الاستخبارات القومية، وخطط الدفاع الصاروخي الأمريكية (حرب النجوم)، ومسارات الغواصات النووية، وبرامج التنصت الخاصة بوكالة الأمن القومي.

الفصل الخامس: راقصة التعري ولجان التحقيق العمياء في "لانجلي"

في صيف عام 1990، وفي ذروة ثرائه السري وحصوله على رزم الدولارات، التقى هانسن في حانة ليلية تُدعى "جوانا 1819" بمتعرية شابة تُدعى "برسيلا سوجا يلي". في تصرف يعكس تعقيده النفسي، لم يسعَ هانسن لإقامة أي علاقة جنسية معها، بل كان يستخدمها كواجهة مريضة لإنفاق أموال الجاسوسية التي يخشى أن يلاحظها أحد أو أن تكتشفها زوجته بوني. أراد أن يعيش وهم "النبيل السخي" الذي ينتشل بائسة من القاع.

راح يغمرها بالهدايا الفاخرة؛ أهداها سيارة مرسيدس حديثة، وعقوداً من الماس زعم أنها ميراث عائلي، ومنحها بطاقة ائتمان مفتوحة، بل واصطحبها لرحلة سياحية فارهة إلى "هونج كونج" عام 1991. وفي ذروة جنونه الأمني وثقته العمياء في عدم انكشافه، أقدم على حماقة لا تُصدق: اصطحب راقصة التعري لزيارة منشأة تدريب تابعة للـ FBI في قاعدة "كوانتيكيت" البحرية السرية، مقدماً إياها للحراس والضباط على أنها "عميلة مخابرات فرنسية" جاءت للاطلاع على النظم الأمريكية! اخترق كافة القواعد فقط ليستعرض نفوذه أمامها. لكن هذه العلاقة الغريبة انتهت فجأة عندما هجرته برسيلا وسقطت في فخ إدمان المخدرات، وحين اتصلت والدتها به ليخرجها من السجن بكفالة، تحول إلى وحش بارد وأخبرها بقسوة أنه "لا يساعد المدمنين" وأغلق الهاتف في وجهها ليمحوها من حياته للأبد.

صورة الجاسوس الروسي أولدريتش إيمس الذي ساعدت إعترافاته في الكشف عن هانسن.
الجاسوس "أولدريتش إيمس".. خائن الـ CIA الذي قادت إعترافاته بطريق غير مُباشر لإكتشاف خيانة هانسن.

العمى الإستخباراتي: لجان "آناليس" و"سكاي لايت"

مع توالي سقوط شبكات العملاء وتصفيتهم في موسكو، أصيبت المخابرات المركزية والـ FBI بالجنون. أدركوا أن هناك جاسوساً رفيع المستوى يسرب كل شيء. شُكلت لجان تحقيق مشتركة على أعلى مستوى للبحث عن الخائن، وحملت اللجان أسماء مشفرة مثل لجنة "آناليس" وعملية "سكاي لايت". لسنوات طويلة، راجعت اللجان ملفات مئات العملاء، وفتشت في حساباتهم البنكية، لكنها استبعدت "روبرت هانسن" تماماً من دائرة الشك! لماذا؟ لأنه كان يرتدي قناع الرجل المتدين، الرتيب، المضجر، الذي يقود سيارة عادية ولا تظهر عليه أي علامات للثراء الفاحش (بفضل إنفاقه السري على المتعرية وإخفاء الباقي).

بدلاً من ذلك، قادهم الحظ في عام 1992 لإكتشاف خيانة عميل وكالة المُخابرات المركزية "أولدريتش أيمس"، ثم في عام 1996 اكتشفوا خيانة عميل الـ FBI "إيريل بيتس". تنفس المحققون الصعداء وتوهموا أنهم وجدوا ضالتهم وأغلقوا ثقب التسريب، متجاهلين تماماً حقيقة وجود جاسوس ثالث أشد دهاءً وحذراً لا يزال يعبث بملفاتهم.

أكبر دليل على إختراق هانسن الساحق حدث في مايو 1989، عندما بدأ الـ FBI تحقيقاً واسعاً وسرياً لملاحقة المسئول الدبلوماسي الكبير "فيليكس بلوك" بتهمة بيع الأسرار للسوفييت. وضعوا بلوك تحت مراقبة لصيقة على مدار الساعة لضبطه متلبساً. لكن بلوك لم يرتكب أي خطأ، ولم يقع في الفخ! السبب؟ هانسن كان مطلعاً على خطة المراقبة، ونقلها فوراً للروس، الذين أبلغوا بلوك ليتخذ حذره ويدمر الأدلة. ورغم إحباط التحقيق، لم يشك أحد في هانسن.

الفصل السادس: الخيط الروسي وحماقات الثعلب الأخيرة

ظل اللغز مُستعصياً حتى جاء الخيط الأول من مُفاجأة غير متوقعة. الجاسوس الروسي الشهير "أولدريتش إيمس" (الذي تم القبض عليه)، قدم للمُحققين معلومة تفيد بوجود عميل آخر. لكن الإختراق الحقيقي جاء عبر ضابط مخابرات روسي متقاعد لجأ للغرب وحمل الاسم الحركي "المنتقم" (Avenger). في أواخر عام 2000، أبلغ المنتقم المخابرات الأمريكية أن بإمكانه الحصول على ملف كامل من أرشيف الكي جي بي لجاسوس أمريكي يعمل لحساب الروس منذ عقود ويُعرف كودياً باسم "رامون". ومن هنا، اشترت أمريكا الملف الروسي مقابل 7 ملايين دولار وتأمين حياة المصدر في الغرب.

في الوقت ذاته، بدأ الغرور يقتل حذر هانسن، فارتكب حماقات كبرى لا يقع فيها مبتدئ. استخدم صلاحياته العليا للبحث عن عنوان منزله واسمه الخاص داخل شبكة كمبيوتر الـ FBI المركزية؛ ليرى ما إذا كان اسمه مدرجاً في أي تحقيقات للمراقبة! هذا البحث غير المبرر سُجل إلكترونياً في خوادم الشبكة، وأثار ريبة المحققين بشدة عندما بدأوا بمراجعة سجلات البحث.

أما الضربة القاضية، فجاءت حين عثر الخبراء الجنائيون في واشنطن على "بصمة أصبع" واضحة تعود لـ "روبرت هانسن" على القرص المرن (Floppy Disk) والرسائل الورقية التي تم تهريبها من ملفات موسكو! لقد انكشف القناع أخيراً. وعندما داهموا حاسوبه الشخصي لاحقاً، صُدموا حين وجدوه يحتفظ بغباء شديد بنسخ مرتبة ومؤرشفة من كافة خطاباته السرية التي أرسلها للروس، وكأنه كان يجهز أدلة إدانته وشنقه بنفسه ليقدمها هدية لزملائه.

الفصل السابع: ساعة الصفر.. وزلزال يضرب واشنطن وموسكو

رجال المباحث الفيدرالية (FBI) يلقون القبض على روبرت هانسن في حديقة بفرجينيا بتهمة التجسس لصالح روسيا.
"ما الذي أخركم كل هذه السنين أيها الزملاء؟".. الكلمات الأخيرة لهانسن قبل تكبيله بالأصفاد.

في أواخر عام 2000، وفي غضون أسابيع قليلة من إستلام الملف الروسي الدامغ، وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي زميلهم "روبرت هانسن" تحت مُراقبة لصيقة ومُكثفة (بالصوت والصورة، وتتبع سيارته ومكتبه). وبفضل خبرته الإستخباراتية، إستشعر الثعلب هانسن الخطر واقتراب النهاية. وفي رسالته الأخيرة للروس — والتي كان مقرراً تسليمها في فبراير 2001 — كتب رسالة تعكس يأسه وإدراكه لسقوطُه الحتمي:

"حان الوقت لكي أتوقف عن خدماتي... هناك شيء قد أيقظ النمر النائم.. ربما تعرفون أفضل مني أن الحياة لا تبقى على حال".

في صبيحة يوم الأحد، 18 فبراير 2001، مارس هانسن طقوسه المُعتادة ببرود قاتل. أوصل زوجته وعائلته من الكنيسة بعد حضور القُداس، ثم إستقل سيارته بِمفرده وإتجه نحو مُتنزه "فوكستون بارك" في شمالي ولاية فرجينيا. توقف عند نقطة كودية أطلق عليها أسم "إليس" تحت جسر خشبي للمشاة. توارى عن الأنظار بحذر، وأسقط كيساً بلاستيكياً مُغلقاً بإحكام يحوي رسالته الأخيرة وسبع وثائق عسكرية شديدة السرية.

وما إن استدار ليعود إلى سيارته، حتى برز له رجال المباحث الفيدرالية المُسلحين من كل حدب وصوب وكأنهم نبتوا من الأرض. إنقضوا عليه بعنف، وطرحوه أرضاً، وكبلوه بالأصفاد الحديدية. لم يقاوم، ولم تظهر عليه علامات الصدمة أو الخوف. رفع رأسه، ونظر إلى زملائه الذين يلقون القبض عليه، وبابتسامة باردة وساخرة، وفي هدوء عجيب، نطق بجملته التاريخية التي أخرست الجميع:

"ما الذي أخركم كل هذه السنين أيها الزملاء؟"

محاكمة العار.. وعواقب الخيانة الكبرى

صورة الجاسوس روبرت هانسن الحقيقية بملابس السجن أثناء محاكمته والحكم عليه بالسجن المؤبد.
نهاية المطاف: روبرت هانسن بملابس السجن، حُكم عليه بالمؤبد المشدد في سجن "إيه دي إكس فلورنس" الإنفرادي.

كان سقوط هانسن بمثابة زلزال كارثي ضرب هيبة الاستخبارات الأمريكية في الصميم، وإعتُبر أكبر وأقسى هزيمة نكراء تتعرض لها الأجهزة الأمنية في تاريخها. طوال 22 عاماً من التجسس، تقاضى هانسن أحجار ماس ثمينة وصلت قيمة إحداها إلى 24,740 دولاراً، ومبالغ نقدية وصلت في بعض الأحيان إلى 50 ألف دولار، ومبالغ أودعت في بنوك موسكو وسويسرا. المدهش أن إجمالي ما تقاضاه (حوالي 600 ألف دولار وماس بـ 800 ألف) كان مبلغاً زهيداً جداً مقارنة بجواسيس آخرين (كالجاسوس أيمز الذي تقاضى الملايين). هذا أكد للمحللين النفسيين أن دافع هانسن الحقيقي لم يكن المال، بل إشباع غرور مريض، وعقدة نقص طفولية، ورغبة مجنونة في الشعور بالتفوق المطلق على زملائه ورؤسائه، وهو ما كان الروس يغذونه ببراعة عبر مدحه المستمر في رسائلهم والإشادة بذكائه الإستثنائي.

تسبب إعتقال هانسن في تفجر أزمة دبلوماسية غير مسبوقة وخطيرة بين إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين". أمرت الإدارة الأمريكية فوراً بطرد 50 دبلوماسياً روسياً من واشنطن للاشتباه بكونهم ضباط استخبارات متورطين في إدارة شبكات التجسس، وهي أكبر عملية طرد منذ عام 1986 إبان حقبة "رونالد ريجان". وفي المقابل، ظهر بوتين ليعلن إجراءات انتقامية وطرد دبلوماسيين أمريكيين من موسكو، ليُكتب بذلك نهاية سريعة وحاسمة لشهر العسل الاستخباراتي والتعاون المتبادل الذي بدأ بين البلدين في أعقاب انهيار الحرب الباردة.

على الصعيد الداخلي، سادت حالة من جنون الإرتياب (البارانويا) في أروقة واشنطن. أصدر مدير الـ FBI "لويس فريه" ووزير العدل "جون أشكروفت" أوامر صارمة بإصلاحات أمنية غير مسبوقة. خضع أكثر من 500 موظف، بينهم 150 من كبار المديرين والضباط في المقر الرئيسي ممن يطلعون على معلومات بالغة السرية، لاختبارات أجهزة كشف الكذب القاسية. كما تمت مراجعة كافة بروتوكولات الحماية الإلكترونية وتتبع الحواسيب لضمان عدم تكرار اختراق مشابه.

عندما أدرك هانسن أن الأدلة المادية ضده دامغة، وأن عقوبة الإعدام تلوح في الأفق بقوة نظراً لتسببه المباشر في تصفية وإعدام عملاء أمريكيين في موسكو، تخلى عن كبريائه وانهار. وافق على عقد صفقة مع الادعاء العام؛ اعترف بالذنب بالتفصيل الكامل وكشف عن كل الوثائق التي سربها، وتوسل أن يُحكم عليه بالسجن مدى الحياة بدلاً من الإعدام، لضمان استقرار عائلته المادي وبقاء معاشه التقاعدي لزوجته بوني (كما وافق بعد مساومة طويلة على بيع حقوق قصته لشركة إنتاج سينمائي لتأمين مستقبل أبنائه).

وفي العاشر من مايو عام 2002، وقف هانسن في المحكمة. أعلن القاضي بصرامة أن ما فعله هانسن يُعد "أكبر خيانة وأسوأ إختراق أمني شهدته الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها". وصدر الحكم النهائي بإيداعه السجن مدى الحياة (15 حكماً متتالياً بالسجن المُؤبد) دون أي إمكانية للإفراج المشروط. أُرسل هانسن ليقضي بقية حياته في عزلة تامة داخل سجن أدكس فلورنسا (ADX Florence) الخاضع لأقصى درجات الحراسة الأمنية والمُخصص لأخطر الإرهابيين.

هكذا أُسدل الستار على أسطورة "روبرت فيليب هانسن"، جاسوس الخمسة نجوم، الرجل الذي كلفتهُ بلاده بمراقبة الروس وحماية ظهرها، فقرر أن يتجسس عليها لحساب الكرملين، تاركاً وراءه قصة درامية مُعقدة أثبتت للعالم أجمع أن أسوار القلاع مهما بلغت حصانتها، تسقط دائماً من الداخل، وأن أخطر الطعنات وأشدُها فتكاً هي تلك التي تأتيك من رجل يقف في خندقك، ويحمل طوعاً مفاتيح أسرارك.

```
تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 24/09/2015
♻️
تحديث 29/10/2026

About the Author

محامِ مصري، مدون وكاتب عاشق للتاريخ، كل ماقد حدث بكل صدق، أمانة وحياد _ "من لا يعلمُ ماضي الأشياء لن يستطيع معرفة ما هو قادم" ولن يستطيع فهم الواقع أبداً، ويقولُ ربُ العزة في مُحكم أياته :- { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ك…

إرسال تعليق

Cookie Consent
We serve cookies on this site to analyze traffic, remember your preferences, and optimize your experience.
Oops!
It seems there is something wrong with your internet connection. Please connect to the internet and start browsing again.
AdBlock Detected!
We have detected that you are using adblocking plugin in your browser.
The revenue we earn by the advertisements is used to manage this website, we request you to whitelist our website in your adblocking plugin.
Site is Blocked
Sorry! This site is not available in your country.
Map Viewer